فصل: (سورة المائدة: آية 119)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.[سورة المائدة: آية 119]

{قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119)}.
قرئ {هذا يَوْمُ يَنْفَعُ} بالرفع والإضافة. وبالنصب إما على أنه ظرف لقال. وإما على أنّ {هذا} مبتدأ، والظرف خبر. ومعناه، هذا الذي ذكرنا من كلام عيسى واقع يوم ينفع. ولا يجوز أن يكون فتحا، كقوله تعالى: {يَوْمَ لا تَمْلِكُ} لأنه مضاف إلى متمكن، وقرأ الأعمش: يوم ينفع، بالتنوين، كقوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ} فإن قلت: ما معنى قوله: {يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ}؟ إن أريد صدقهم في الآخرة فليست الآخرة بدار عمل، وإن أريد صدقهم في الدنيا فليس بمطابق لما ورد فيه لأنه في معنى الشهادة لعيسى عليه السلام بالصدق فيما يجيب به يوم القيامة؟ قلت: معناه الصدق المستمر بالصادقين في دنياهم وآخرتهم.
وعن قتادة: متكلمان تكلما يوم القيامة. أمّا إبليس فقال: إنّ اللَّه وعدكم وعد الحق، فصدق يومئذ وكان قبل ذلك كاذبا، فلم ينفعه صدقه. وأما عيسى عليه السلام فكان صادقا في الحياة وبعد الممات فنفعه صدقه.

.[سورة المائدة: آية 120]

{لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120)}.
فإن قلت: في السموات والأرض العقلاء وغيرهم، فهلا غلب العقلاء، فقيل: ومن فيهنّ؟
قلت: ما يتناول الأجناس كلها تناولا عاما. ألا تراك تقول إذا رأيت شبحًا من بعيد: ما هو؟
قبل أن تعرف أعاقل هو أم غيره، فكان أولى بإرادة العموم.
عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم «من قرأ سورة المائدة أعطى من الأجر عشر حسنات ومحى عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات بعدد كل يهودى ونصراني يتنفس في الدنيا». اهـ.

.قال نظام الدين النيسابوري في الآيات السابقة:

{وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120)}.
{وإذ قال الله} معطوف على مثله. والصحيح أن هذا القول أيضًا يوم القيامة لقوله عقيب ذلك {هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} وقيل: هذا عند رفع عيسى عليه السلام نظرًا إلى أن «إذ» للماضي وقد مر توجيه ذلك. {أأنت قلت} استفهام بطريق الإنكار والغرض منه توبيخ النصارى. قال بعض المشككين: إن أحدًا من النصارى لم يذهب إلى القول بإلهية عيسى عليه السلام وأمه مع القول بنفي إلهية الله تعالى. وأجيب بأن الإله هو الخالق وأنهم يعتقدون أن خالق المعجزات والكرامات التي ظهرت على يد عيسى ومريم هو عيسى ومريم وليس لقدرة الله سبحانه في ذلك مدخل، فبهذا التأويل صح ما حكي عنهم.
وأقول: يشبه أن يكون المراد بقوله: {من دون الله} أي بعد الله فيكون التوبيخ على التثليث. أو المراد أنه لما دل البرهان على نفي تعدد الإله فمن قال بإلهية عيسى أو أمه لزمه القول بنفي المعبود الحق تعالى عن ذلك ولهذا قال عيسى {سبحانك} أي أنزهك تنزيهًا من أن يكون لك شريك. ثم لم يجب بأني قلت أو ما قلت لأن ذلك يجري مجرى الطهارة والتبرئة بل أجاب بقوله: {ما يكون} أي ما ينبغي لي أن أقول قولًا لا يحق لي أن أقوله إظهارًا لغاية الخضوع والاستكانة. ثم فوّض الأمر إلى علمه المحيط بالكل فقال: {أن كنت قلته فقد علمته} ثم علل ذلك بقوله: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} أي تعلم معلومي ولا أعلم معلومك. وذكر النفس ثانيًا لأجل المشاكلة وهو من فصيح الكلام، أو تعلم ما أخفي ولا أعلم ما تخفي، أو تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك، أو تعلم ما أقول وأفعل ولا أعلم ما تقول وتفعل- عبارات للمفسرين- ثم أكد ما ذكر بقوله: {إنك أنت علام الغيوب} «أن» في قوله: {أن اعبدوا الله} إن جعلتها مفسرة فالمفسر إما فعل القول أو فعل الأمر ولا وجه لكليهما. أما فعل القول فيحكى بعده الكلام بلا «أن» فيقال: مما قلت لهم إلا اعبدوا الله اللهم إلا أن يقال: إن المضاف محذوف والتقدير ما أمرتني بقوله، فيكون التفسير الصريح القول المقدر، وصريح القول المقدّر كالفعل المؤوّل بالقول في عدم الظهور حتى يجوز توسيط «أن». وأما فعل الأمر فمسند إلى ضمير الله، فلو فسرته بـ{اعبدوا الله} لم يستقم لأن الله لا يقول اعبدوا الله ربي وربكم، وإن جعلتها مصدرية عند من يجوّز دخولها على الطلبية، فإن كان بدلًا من {ما أمرتني} والمبدل في حكم السقوط كان المعنى ما قلت لهم إلا عبادته ولا يستقيم، لأن العبادة لا تقال، وإن جعلته بدلًا من الهاء في {به} لم يصح أيضًا لأنه يؤل المعنى بعد طرح المبدل إلى قولك إلا ما أمرتني بأن اعبدوا الله فيبقى الموصول بلا عائد. فإذن الوجه أن يحمل فعل القول على معناه فيكون أصل المعنى ما أمرتهم إلا بما أمرتني به حتى يستقيم تفسيره بأن اعبدوا الله ربي وربكم إلا أنه وضع القول موضع الأمر رعاية للأدب كيلا يجعل نفسه وربه آمرين ودل على الأصل بذكر «أن» المفسرة. قال في الكشاف: ويجوز أن تكون «أن» مصدرية عطف بيان للهاء لا بدلًا، وحينئذ يبقى العائد بحاله {وكنت عليهم شهيدًا} كالشاهد على المشهود عليه أمنعهم من التدين بما يوجب التفكير {ما دمت فيهم} مدة دوامي فيما بينهم {فلما توفيتني} بالرفع إلى السماء {كنت أنت الرقيب} الحافظ {عليهم} المراقب لأحوالهم {وأنت على كل شيء شهيد} من الشهادة أو من الشهود بمعنى الحضور.
{وإن تغفر لهم} فيه سؤال وهو أنه كيف جاز لعيسى هذا القول والله تعالى لا يغفر الشرك؟ والجواب أن قوله لعيسى عليه السلام {أأنت قلت الناس} مبني على أن قومًا من النصارى حكوا عنه هذا الكلام، والحاكي لهذا الكفر عنه لا يكون كافرًا بل يكون مذنبًا فقط، ولو سلم أنه أشرك فغفران الشرك جائز عندنا وعند جمهور البصريين من المعتزلة لأن العقاب حق الله على المذنب وليس في إسقاطه على الله تعالى مضرة، بل كلما كان الجرم أعظم كان العفو أحسن، إلا أن الدليل السمعي في شرعنا دل على أنه لا يكون فلعل هذا الدليل السمعي لم يكن موجودًا في شرع عيسى عليه السلام، أو لعل عيسى جوّز أن يكون بعضهم قد تاب عنه. أما من زعم أن هذه المناظرة والمحاورة إنما كانت عند رفعه إلى السماء فلا إشكال أصلًا لأن المراد إن توفيتهم على هذا الكفر وعذبتهم فإنهم عبادك فلك ذاك، وإن أخرجتهم بتوفيقك من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان وغفرت لهم ما سلف منهم {فإنك أنت العزيز} القادر على ما تريد {الحكيم} في كل ما تفعل لا اعتراض لأحد عليك، وفي مصحف عبد الله: {فإنك أنت الغفور الرحيم} وضعفه العلماء لأن ذلك يشعر بكونه شفيعًا لهم لا على تفويض الأمر بالكلية إلى حكمه تعالى، والمقام هذا لا ذاك، وعن بعضهم أن ذكر الغفور والرحيم يشبه الحالة الموجبة للمغفرة والرحمة، وأما العزة والحكمة فلا يوجبان إلا التعالي عن جميع جهات الاستحقاق، فحصول المغفرة بعد ثبوت هذا الاستغناء والعزة يكون أدل على كمال العفو والرحمة فإن العفو عند المقدرة. قال بعض العلماء: في الآية نوع شفاعة من عيسى عليه السلام لفساق أمته، فلأن يثبت ذلك من محمد صلى الله عليه وسلم لفساق أمته أولى {هذا يوم ينفع} من قرأ بالرفع فظاهر وأنه في تقدير الإضافة أي هذا يوم منفعة الصادقين، ومن قرأ بالنصب فإما على أنه ظرف لـ{قال}، وإما على أن هذا مبتدأ والظرف خبر أي هذا الذي ذكرنا من كلام عيسى واقع في هذا اليوم كقولك: القتال يوم السبت. وقال الفراء: يوم أضيف إلى ما ليس باسم فبني على الفتح كما في «يومئذ» وخطأه البصريون وقالوا: إنما يبنى الظرف إذا أضيف إلى المبنى كالماضي في قول النابغة:
على حين عاتبت المشيب على الصبا

أو مثل «لا» في قوله تعالى: {يوم لا تملك} [الانفطار: 19] وأجمعوا على أن هذا اليوم يوم القيامة. والمراد أن صدقهم في الدنيا ينفعهم في القيامة كما قال قتادة: متكلمان تكلما يوم القيامة: أما إبليس فقال: {إن الله وعدكم الحق} [إبراهيم: 22] فصدق وكان قبل ذلك كاذبًا فلم ينفعه، وأما عيسى فكان صادقًا في الدنيا وفي الآخرة فنفعه صدقه. وفي هذا الكلام تصديق من الله تعالى لعيسى في قوله: {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به} {رضي الله عنهم ورضوا عنه} هما متلازمان لأن رضا الله عن العبد في رعاية وظائف العبودية {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56] وإذا صحح الإنسان نسبة العبودية علم أن العبد لا يكون له إرادة واختيار فتكون إرادته مغمورة في إرادة ربه. {ذلك الفوز العظيم} إشارة إلى جميع المذكورات أو إلى الجزء الأشرف الأقرب وهو الرضوان {ما فيهن} لم يقل «ومن فيهن» ليكون أدل على العموم، ولينبه على أن عقول ذوي العقول وعلوم أرباب العلوم بالنسبة إلى علمه كلا علم، وإنما هم وغيرهم تحت قهره وتسخيره سواء. واعلم أنه سبحانه افتتح السورة بقوله: {أوفوا بالعقود} [المائدة: 1] وهو الشريعة والبداية وختم السورة بهذه الآية الدالة على فناء الكل في جنب جلاله وكبريائه وهو الحقيقة والنهاية، فما أحسن هذا النسق! وأيضًا في السورة بيان الشرائع والأحكام الكثيرة والمناظرة مع اليهود والنصارى، فهذا الاختتام ذكر فيه أن سبحانه مالك لجميع الممكنات والكائنات موجد لجميع الأرواح والأجساد ليصح التكليف على أيّ وجه أراد، وليكون ردًا على اليهود بحكم المالكية في نسخ شريعة موسى ووضع شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، وليكون ردًا على النصارى في أن عيسى ومريم عليهما السلام داخلان في المخلوقات موجودان بإيجاد الله ولا معنى للعبودية إلا هذا. وأيضًا لما أخبر عن فناء وجودهم المجازي لم يبق هناك مجيب فأجاب بنفسه {لله ملك السموات والأرض} كقوله: {لمن الملك اليوم لله الواحد القهار} [غافر: 16] ولعل في هذه الخاتمة من الأسرار أضعاف ما عثرنا عليه والله تعالى أعلم بأسرار كتابه. اهـ.

.قال سيد قطب:

اتجه عيسى عليه السلام إلى ربه يدعوه:
{قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدًا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين}..
وفي دعاء عيسى- بن مريم- كما يكرر السياق القرآني هذه النسبة- أدب العبد المجتبى مع إلهه ومعرفته بربه. فهو يناديه: يا الله. يا ربنا. إنني أدعوك أن تنزل علينا مائدة من السماء، تعمنا بالخير والفرحة كالعيد، فتكون لنا عيدًا لأولنا وآخرنا؛ وأن هذا من رزقك فارزقنا وأنت خير الرازقين.. فهو إذن يعرف أنه عبد؛ وأن الله ربه. وهذا الاعتراف يعرض على مشهد من العالمين، في مواجهة قومه، يوم المشهد العظيم!
واستجاب الله دعاء عبده الصالح عيسى بن مريم؛ ولكن بالجد اللائق بجلاله سبحانه.. لقد طلبوا خارقة. واستجاب الله. على أن يعذب من يكفر منهم بعد هذه الخارقة عذابًا شديدًا بالغًا في شدته لا يعذبه أحدًا من العالمين: {قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين}..
فهذا هو الجد اللائق بجلال الله؛ حتى لا يصبح طلب الخوارق تسلية ولهوًا. وحتى لا يمضي الذين يكفرون بعد البرهان المفحم دون جزاء رادع!
وقد مضت سنة الله من قبل بهلاك من يكذبون بالرسل بعد المعجزة.. فأما هنا فإن النص يحتمل أن يكون هذا العذاب في الدنيا، أو أن يكون في الآخرة.